محمد طاهر الكردي

528

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم

وأيضا يمكن أن نقول : إذا قسنا اليوم ما يوجد بمكة من البساتين والزروع ، إلى ما يوجد بمصر والشام وغيرهما من الزروع والأنهار والبساتين والثمار ، لوجدنا أن ما هو بمكة شيء قليل ونسبة ضئيلة لا تذكر في جانب ما هو في الخارج ، والقليل لا حكم له ، فكأن مكة ليست بذات زروع وثمار . ويفهم من قوله : عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ ، أنه سبحانه وتعالى ، قد أعلمه بمكان بيته الحرام بمكة قبل أن يأمره ببنائه ، ليطمئن قلبه عند تركه إسماعيل وأمه بها أن لهما مستقبلا سعيدا ، وشأنا عظيما فيما بعد . وقوله : لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ أي إني أسكنت من ذريتي عند بيتك المحرم ليعبدوك بإقامة الصلوات وحج البيت وأنواع البر والعبادات ، فالصلاة والصيام والحج من العبادات التي كانت من قبل الإسلام ، وإقامتها بهذه الكيفية من خصوصيات هذه الأمة المرحومة ، وقوله : فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ : هذه عبارة بديعة وجملة لطيفة ، فإنه لما ترك إبراهيم عليه السلام ، ولده إسماعيل وأمه هاجر بمكة لا أنيس لديهما ، أحب أن يرسل اللّه إليهما من خيار الناس وأفضلهم ليأتنسا بهم وينسيا غربتهم ، فتذهب وحشتهم ، وبالفعل فقد أرسل اللّه لإسماعيل عليه السلام وأمه هاجر عندما نبع لهما زمزم طائفة من أخيار قبيلة جرهم ، استأذنوا هاجر في النزول عندها ، والإقامة معها وإسماعيل كان صغيرا ، فقالوا لها : أشركينا في مائك نشركك في ألباننا ، فأذنت لهم ، فأقاموا عندها وأحبوا إسماعيل حتى زوجوه بامرأة منهم . ويؤخذ من قوله : مِنَ النَّاسِ المقصود طائفة منهم لا كلهم . فكلمة ( من ) للتبعيض أي بعضهم . ولذلك قال ابن عباس ، رضي اللّه عنهما : لو قال أفئدة الناس ، لحنت إليه فارس والروم والناس كلهم . وقوله : وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ هذا منتهى الرحمة ومنتهى العناية والرأفة بأهله صلى اللّه عليه وسلم وأولاده ، فإنه قد ترك إسماعيل وأمه ، بشيء من التمر وقليل من الماء في مكان قفر لا نبات فيه ولا ماء ، ولا بشر ، وهم لابد وأن يحصلوا على قوتهم من اللحم واللبن والثمرات ، فدعا لهم بكل ذلك . فالثمرات ، وإن كانت ليس من القوت الضروري ، فهي تفيد الإنسان فائدة كبرى كما لا يخفى ، فأراد إبراهيم ، عليه السلام ، أن ينعم اللّه عليهم بالكماليات من الفواكه ، كما ينعم عليهم بالقوت الأساسي ، فدعا اللّه لهم أن يرزقهم من